حذّر الكاتب زكريا فهمي من أن ظاهرة «إل نينيو» المناخية قد تزيد من حدة موجات الحر والضغوط على الموارد المائية في مصر، في ظل ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالميًا بفعل تغير المناخ. وأكد خبراء أن تأثير الظاهرة لا يعني بالضرورة وقوع أزمات مناخية حتمية، لكنه قد يزيد احتمالات حدوث أنماط جوية متطرفة، ما يفرض على مصر تعزيز استعداداتها لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر والقطاعات الحساسة، وفي مقدمتها الزراعة.
ونشر مدى مصر تقريرًا تناول التداعيات المحتملة لظاهرة «إل نينيو» على مصر، موضحًا أن تأثيراتها قد تمتد من ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر إلى الضغوط المحتملة على مياه النيل، فضلًا عن تداعيات اقتصادية غير مباشرة قد تنتج عن اضطرابات الطقس في مناطق أخرى من العالم.
موجات الحر تهدد الصحة والزراعة
قال الباحث البيئي أحمد العدوي إن التحدي الأبرز المرتبط بظاهرة «إل نينيو» الذي قد تواجهه مصر خلال الأشهر المقبلة يتمثل في موجات الحر، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة خلال الليل يمثل خطرًا لا يقل أهمية عن ارتفاعها نهارًا. فعندما تظل درجات الحرارة مرتفعة ليلًا، لا يحصل الجسم والمنازل وأماكن العمل على الوقت الكافي للتخلص من الحرارة المتراكمة خلال النهار.
وتختلف حدة تأثير موجات الحر على المواطنين وفقًا للموقع الجغرافي والحالة الصحية وظروف المعيشة والعمل، إلى جانب القدرة على الوصول إلى المياه ووسائل التبريد. وتزداد المخاطر على كبار السن والرضع والأطفال والحوامل ومرضى الكلى، وكذلك العاملين الذين يتعرضون للحرارة المرتفعة، خصوصًا عمال الزراعة والبناء والعاملين في الأماكن المغلقة سيئة التهوية، فضلًا عن الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم.
وتواجه الزراعة المصرية بدورها تحديات كبيرة مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ أوضح عالم الاجتماع الريفي صقر النور أن الإجهاد الحراري يزيد من معدلات تبخر مياه الري، ما يرفع الحاجة إلى تكرار عمليات الري ويزيد الضغط على منظومة المياه. وتعد الخضروات من أكثر المحاصيل عرضة للتأثر بالحرارة، رغم أن المحاصيل الشجرية تبدو أكثر قدرة على التحمل.
ويستخدم بعض المزارعين بالفعل أساليب للتكيف مع الحرارة المرتفعة، مثل الري ليلًا للحد من التبخر، وتغطية المحاصيل لحمايتها من أشعة الشمس المباشرة، وزراعة محاصيل أكثر مقاومة للجفاف، مثل الذرة الرفيعة. إلا أن الخبراء يشيرون إلى نقص الأبحاث التي تدرس تجارب المزارعين واحتياجاتهم في مواجهة تغير المناخ، مقارنة بالاهتمام الأكبر بالأبحاث التقنية والهندسية.
«إل نينيو» ومخاطر مياه النيل في مصر
ترتبط ظاهرة «إل نينيو» عادة بانخفاض معدلات الأمطار في حوض النيل الأزرق بإثيوبيا، ما قد يؤثر في تدفقات مياه النيل التي تصل إلى مصر. وأوضح العدوي أن الدراسات تربط الظاهرة بظروف أكثر جفافًا في منطقة النيل الأزرق، مع توقعات باحتمال انخفاض معدلات هطول الأمطار عن المتوسط، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة وقوع موجة جفاف مؤكدة.
ويأتي نحو 85% من مياه النيل التي تصل إلى السد العالي في أسوان من النيل الأزرق، مقابل نحو 15% من النيل الأبيض. ورغم المخاوف من تزامن موجات الحر مع انخفاض تدفقات النيل، يرى العدوي أن مصر لا تواجه خطرًا فوريًا يتمثل في نقص واسع النطاق للمياه، حتى إذا استمرت الظروف الجافة في حوض النيل الأزرق حتى العام المقبل، وذلك بفضل الاحتياطيات الكبيرة المتاحة حاليًا خلف السد العالي، إلى جانب الاحتياطيات الموجودة في السدود الواقعة أعلى النهر في إثيوبيا والسودان، نتيجة ارتفاع تدفقات النيل خلال السنوات الماضية.
وأكد سامح عبد الرحمن، نائب رئيس قطاع مياه النيل بوزارة الموارد المائية والري، أن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم بدقة على مستوى فيضان النيل هذا الموسم، موضحًا أن اختلاف نماذج التنبؤ يجعل تحديد الاتجاه النهائي أمرًا صعبًا، إذ ترجح بعض النماذج احتمالات الجفاف، بينما تشير أخرى إلى فرص هطول أمطار أعلى من المعدلات المعتادة.
وأشار عبد الرحمن إلى أن مصر لن تواجه أزمة مائية خلال الأشهر المقبلة، موضحًا أن مواسم الفيضان قد تبدأ بمؤشرات ضعيفة ثم تتطور لاحقًا إلى مستويات أعلى بكثير من التوقعات الأولية.
وفي الوقت نفسه، يرى العدوي أن ارتفاع الطلب على المياه نتيجة الإجهاد الحراري لا يُرجح أن يؤدي وحده إلى نقص فوري على مستوى البلاد، بفضل الدور التنظيمي الذي يؤديه السد العالي، لكنه شدد على أن الطلب على المياه يمثل تحديًا طويل الأمد يحتاج إلى سياسات مستدامة.
كيف تستعد مصر لمواجهة تداعيات «إل نينيو»؟
يرى العدوي أن الأولوية في مصر يجب أن تتركز على تعزيز قدرة الفئات الأكثر عرضة للخطر والقطاعات الحساسة للمناخ، وعلى رأسها الزراعة، على مواجهة الظروف المناخية القاسية.
ودعا إلى وضع قواعد واضحة للحماية من الحرارة لا تعتمد فقط على إعلان درجة الحرارة، بل تأخذ في الاعتبار الرطوبة وأشعة الشمس المباشرة والمجهود البدني والتهوية ومدة التعرض للحرارة.
كما شدد على ضرورة إلزام أصحاب العمل بتوفير مياه شرب آمنة وأماكن مظللة أو مبردة للراحة، إلى جانب فترات راحة منتظمة وإجراءات للإسعافات الأولية، مع نقل الأعمال الشاقة بعيدًا عن ساعات الذروة الحرارية عندما تصبح الظروف خطرة، وحماية العمال من فقدان أجورهم في حال خفض ساعات العمل أو تعليقها لأسباب تتعلق بالسلامة.
وأكد العدوي أن مصر تحتاج أيضًا إلى الانتقال من مجرد رفع الوعي إلى تقديم دعم عملي للمزارعين، مشيرًا إلى أن كثيرًا منهم عانوا بالفعل خسائر متكررة بسبب الظروف المناخية، وبالتالي يحتاجون إلى أدوات ومساعدات تمكنهم من الاستجابة للتحذيرات المناخية.
وشدد كذلك على ضرورة تحقيق العدالة في توزيع الموارد الأساسية، خصوصًا المياه، بحيث تضمن السياسات حصول المجتمعات الأكثر فقرًا على احتياجاتها الأساسية، بدلًا من التركيز فقط على إجراءات ترشيد الاستهلاك.
وأوضح أن الأسرة منخفضة الدخل التي تعاني انقطاع المياه بصورة متكررة لا ينبغي أن تعامل بالطريقة نفسها التي تعامل بها المنازل أو الأنشطة التجارية التي تستهلك كميات كبيرة من المياه لأغراض غير أساسية، وينطبق الأمر ذاته على الكهرباء وغيرها من الموارد.
كما دعا إلى زيادة تمويل الأبحاث التي تدرس الآثار غير المباشرة للظواهر المناخية المتطرفة، بما يساعد على تحديد الفئات الأكثر هشاشة وفهم كيفية تأثرها. ويشمل ذلك دراسة تأثير موجات الحر على عمال الزراعة وكبار السن الذين يعيشون بمفردهم والأطفال في الفصول سيئة التهوية، إلى جانب قياس انعكاس الظواهر المناخية على إنتاجية العمل وأسعار الغذاء وتكاليف الكهرباء المنزلية وانقطاع المياه والأمراض المرتبطة بالحرارة.
وأكد خبراء الأرصاد والمناخ أهمية تطوير أنظمة التنبؤ والإنذار المبكر في مصر، مع الاستفادة من البيانات التي توفرها المبادرات الدولية، مثل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى وبرنامج «كوبرنيكوس» التابع للاتحاد الأوروبي.
وأوضح العدوي أن التنبؤ العالمي لا يتحول تلقائيًا إلى تحذير محلي فعال، إذ تعتمد دقة التحذيرات المحلية على كثافة محطات الرصد وجودتها، وتغطية الرادارات، وبيانات الأقمار الصناعية، ودقة النماذج المناخية، ومدى ملاءمتها للظروف الإقليمية، فضلًا عن التحقق المستمر من نتائجها.
ودعا إلى أن تقدم هيئة الأرصاد الجوية المصرية معلومات أكثر تفصيلًا من مجرد إعلان درجة حرارة وطنية واحدة، مع تحديث هذه المعلومات بصورة مستمرة، بما يساعد المواطنين والقطاعات المختلفة على الاستعداد بشكل أفضل لموجات الحر والظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بتغير المناخ وظاهرة «إل نينيو».
https://www.madamasr.com/en/2026/07/24/feature/society/el-nino-pouring-fuel-on-the-fire-of-a-warming-world/

